click tracking

هجرة الموت


هجرة الموت
« من أرض الديدان إلى بحر الحيتان »

بقلم. ذ: ميلود المعبيش

في قرية هادئة، تربَّعت على عرش السكينة، ألبستها الطبيعة أجمل ثيابها، وتوجت عنقها العاجي بأثمن اليواقيت، بانت على ربوة كالجبار، تجري السواقي وجداول الحياة تحت أقدامها المترامية إلى السفح، وأشجار الصنوبر والعرعار والسرو توشِّح صدرها الذهبي، وتشيربأغصانها إلى علياء وكأنها توحي بميلاد منقذ القرية معزوز.

قرية الشمس اشرأبت بعنقها مطلة على مدينة الظلام، مدينة اليأس والموت، فرأت إنسان المدينة في عراك مستمر، وقد حجب الدخان المُضَبَّب مُحيَّاه، وغلفت المادة قلبه فصار يدب تحت التراب كدودة الأرض في قََزَمِيَّة واضحة. تحت طبيعة القرية الفاتنة ينمو الحلم، وتحت الأظافر الحديدية لدودة المدينة ينام الإفتراس واليأس.

انشقت بيضة القرية نصفين، وخرج منها الفرخ، خرج معزوز وهو يتطلع إلى الفضاء الواسع، انطلق وهو يشاهد الأوراق تنفصل عن أمها الشجرة، والفلاح في حقول الحياة يحرث ويبذر، ونساء القرية يستقبلن الحياة ببشاشة رغم المعاناة والإقصاء في وطن معصوب العينين، يلوك الكلام، ويُزَيِّن ضفاف المدينة بشعارات واهمة عن حرية المرأة التي تَعَرَّت كما تعرت هذه الشعارات من معانيها، وعن المواطنة حتى أصبح المواطن يشك في وطنيته التي تفبركت في قنوات الصرف السياسي، وماوراء البحار..

استمر معزوز في جولته والأمل ينمو معه، وهو يقول متفاخرا:≤ سأفديكِ يا قريتي بنفسي، للموت يوم واحد وللأمل يومان ≥. لم يكن يحلم يوما أن يهجر إلى الضفة الأخرى، أن يجد نفسه على متن قارب الموت.

كان معزوز يحمل في طاسة دماغه مشروع انقاذ قريته من الظلم والإقصاء والتهميش وانعدام مرافق الحياة.. نساء حوامل يَمُتْن في قارعة الطريق. أطفال نأى بهم البعد عن المدارس. شباب يرمقون المستقبل من وراء حجاب البطالة والضياع.. شيوخ رسم الزمان تجاعيد الحيرة على جباههم، يموتون في ظلال العزلة وأحيانا أخرى في الجمعيات الخيرية إن وجدت... هل هو الجدار العازل؟ أم هي مستعمرة في قلب وطن متحرر؟
هذه القرية وُلِدت خارج قلب الوطنية ولذلك فإنها رضعت لبن القسوة، وفقدت ثقتها تحت لسان يحترف الكذب. هذه الحالة وَلَّدت صورا من المأساة تحترق في أعماق معزوز فتخلف أكواما من الرماد، لكن هذا الرجل الثائر مَلَّ السكوت والصمت. فراح ينشد كما أنشد الشاعر قبله:

أنا لن أعيش مشردا أنا لن أظل مقيدا
أنا لي غد وغدا سأزحف ثائرا متمردا..

كان يختزن في روحه جيشا عرمرما يزحف في صمت على شريعة أهل المدينة الفاسدة. يريد أن يرفع عن صدره كابوسا ثقيلا امتد لسنوات، كان يكره أن يَحُوك عشه في القفص كي لايُوَرِّث فراخه العبودية لأنه تعلم من النسر أن يسكن قمم جبال الحرية، مُحدِّقا إلى الكائنات الأرضية من الشفق البعيد.

في الوقت الذي كان الحلم ينمو في القرية كانت دودة المدينة تَمُدُّ نفسها العاري برخاوة قاتلة إلى جميع الأنحاء حتى قاع البحر. تتسلل برأسها الأقرع كالأفعى المجلجلة إلى خيرات القرية ونضارتها، وتبث سمها القاتل في عرق الفلاحين، وتصد عليها الأبواب لتلتهم في صمت. تتحدث عن الفضيلة باسم الربح والخسارة، وتنشر القذارة المعنوية باسم القيم الإنسانية النبيلة. هذه الدودة المرنة الفاسدة مُنْدَسَّة في الجامعات والمؤسسات ومراكز القرارات وفي جسم الأحزاب وتحت الكراسي وفوق الطاولات وفي مكبرات الأصوات وفي عقول أهل المدينة.. وفي الأَْْسِرَّة وتحت الوسائد...هي لاتكف عن ترويض الناس وإعادة تكوينهم ،وتُحِيلهم في فترة قصيرة إلى كائنات مشوهة، إلى حيوانات مدجنة مستسلمة وساذجة،إلى أجساد متفسخة نتنة، ترتسم على وجه المدينة ابتسامات مفترسة. كانت أرض المدينة تتزلزل وتتصدع من تحت قدمي معزوز، وبدأت تضاريس نفسية وَعِرة تتشكل في أعماقه، أحس بأيد خفية تدفعه من ظهره ومن قفاه خارج الوطن، فوجد نفسه على متن قارب الموت.

كان القارب يتحرك مع أنفاس البحر..يعلو ويهبط على صدر الأمواج.كان البحر يختزل الموت، ولكنه أيضا يسمح للأحلام أن تسبح في الأفق الفسيح. كان معزوز يتلون بلون الأفق المتقلب، ويستدر على خديه البلوريتين دموعا مالحة من مقلتين حائرتين، تبلل ثيابه تارة، وتمتزج بملوحة البحر تارة أخرى، كأنه يودع وطنا لم يتسع للجميع. يردد في قرارة نفسه هذه العبارة التي لو نزلت على قضيب حديدي لأذابته:≤ ماذا جنينا حتى نموت مرتين، فمرة نموت في البر، ومرة نموت في البحر≥.

يسير القارب ببطء، وينبثق نور القمر من فجوات تتنازعها الغيوم، يخترق شجرة الليل التي تستر بأوراقها السوداء صحراء الفضاء. كلما لاح النور أخرج قلمه ليلتقط بعض العبارات حتى تبقى شاهدة على رحلة الموت. كانت الذكريات تتناسل تباعا. حين ينظر إلى القمر يَحِنُّ إلى وجه أمه وأبيه، وذكريات الطفولة، فيكبر الحلم في مخيلته، لكنه عندما يلتفت إلى قطع الظلام الحالكة يتذكر وطنا مغيبا، يتذكر المعاناة، يتذكر سياسة البلد الغامضة وكيف انكسرت أحلامه على صخرة هذا الوطن! حتى على القارب هناك صراع الموت والحياة، اللذة والألم.

لأول مرة وجد نفسه وحيدا أمام البحر والليل والأفق الفسيح. كان خائفا، وكان يتخيل أن بقع الغيوم الدامسة تحوك له كفنا أسودا، وأن عباب البحر سيحول دُسُرَ القارب إلى نعش. كان يناجي نفسه ويقول: اُدْنُ مني يا وطني، اُدْنُ مني أقبلك بشفتي المرتعشتين الباردتين رغم ماصنعته القلوب الفارغة من الوطنية، رغم صنع الدودة البشرية المفترسة العارية من الاِنتماء، اُدْنُ مني ياوطني، لم تركتني وحيدا؟ إني الآن احتضر، فما هجرتك إلا كرها.

سمعت الحيتان هذا الهمس الليلي واندلفت من القاع لتحفظ هذا اللاجئ الإنساني لا السياسي، لأن البحر يكره سياسة البشر وسارقي اللؤلؤ والدُّرَر.

حيتان البحر بِعِمْلاقِيَِِّتِها تعطف على إنسان البر، والدودة البشرية بِقَزَمِيَّتِها تلتهم إنسانا من نفس طينتها.

وجد هذا الإنسان الشرقي نفسه في بلاد الغرب، رأى شعبا استيقظ في الظلام، بينما شعبه نام في النور. أحس بالكرامة تتدلى من شجرة الإنسانية، بينما الإنسان الشرقي أسير قهر أهله وأحبابه، رأى غَرْبًا يبني صروح الخيال والأحلام، بينما قومه يسكنون الخراب ومغاور الجهل. تلكم فلسفة الغرب وهذه فلسفة الشرق.

هذا الرجل لم يهجر من أجل لقمة العيش، ولم ينبهر بالغرب إلى حد النخاع كما فعل بعض المستغربين، إنما كانت تجربته شخصية متقاطعة مع تجربته التاريخية. أراد أن يُرَبِّي إنسانا في دخيلة نفسه ثائرا على ذاته أولا، وفي نفس الوقت يريد كتابة تاريخ جديد، ذلك التاريخ الذي كُتِب بأطراف السيوف وتحت وقع سنابك الخيل، وفي مدارس الحياة .لا التاريخ الذي كُتِب بالقلم وفي المعاهد والأكاديميات. تلك هي الفكرة التي اختمرت في ذهنه، وهذا هو الصراع الذي تمخض في دخيلته وغدا سيتحقق الحلم لإقامة صرح فلسفي واع من أجل بناء وحدة وطن يتسع للجميع ضد كل دودة بشرية مفترسة تنغل في جسد الأمة لتقضمه من الداخل في صمت.