Souk.nadorcity.com

العقلية العامية


العقلية العامية
نورة القنفودي

موضوع العقلية العامية أو التفكير العلمي هوموضوع الساعة بالعالم العربي .
ففي الوقت الذي أفلح فيه العالم المتطور في تطوير تراث علمي راسخ ،في الوقت ذاته يخوض المفكرون العرب معركة حامية الوطيس في سبيل إقرار أبسط مبادئ التفكير العلمي وبديهياته الأساسية.. مع العلم أننا نمضي قدما إلى السنوات الأخيرة من القرن الواحد والعشرين ,
في الوقت الذي يصعدون فيه الغرب إلى القمر، نتجادل نحن عن إذا كانت للطبيعة قوانينها الثابتة أم العكس.
وفي هذا المضمار لا يسعنا إلا أن نكف عن الزهو لماضينا العلمي المجيد، وأن نقاوم العلم أشد مقاومة.
فمن الجائز أن أولئك الذين يفخرون بعلمنا القديم إنما يفعلون ذلك لأنهم يعربون بذلك عن نوع من الإعتزاز القومي، ومن الجائز أيضا أن تأكيدهم لأمجاد العرب في ميدان العلم إنما يرجع إلى اعتزازهم " بالتراث " ومن ثم فإن كل من يخرج عن نطاق هذا التراث يسثحق الإدانة والإستخفاف في نظرهم .
ولكننا إذا شئنا أن نكون متصالحين متسقين صرحاء مع أنفسنا، و إذا أراد العرب اجترار الماضي والتغني بأمجاد الأجداد .. علينا أن نحترم العلم في الحاضر مثلما قيمناه في الماضي إذ ينبغي أن يكون هدفا من أهدافنا التي نحرص عليها. و أن المعركة التي يشنها الفكر المتخلف على كل من يدعو إلى المنهج العلمي في التفكير، ستقف حاجزا في وجه جهودنا من أجل اللحاق بركب الدول المتنورة علميا...
بل ستلقي ظلالا من الشك حول مدى إخلاصنا في التغني بأمجاد " الخوارزمي " " البيروني " "ابن الهيثم " وغيرهم من العلماء اللذين أناروا درب العلم القابع في ظلمة كاحل سوادها..
و الحقيقة أن أية محاولة لإعتراض طريق التفكير العلمي السليم، في عصرنا الحالي، إنما هي معركة خاسرة.
وصحيح أن طريق العلم والمعرفة كان في بدايته شاقا وأن المعركة كانت دامية، ولكن العلم اكتسح أمامه كل عناصر المقاومة العنيفة، إصرارا لدحظ كل الإتهامات التي وجهت للمفكرين من قبل خصوم العلم..
ليظهر للعامة على أن العلم هو في أساسه منهج أو أسلوب ممنهج ممنظم لرؤية الأشياء وفهم العالم . وكل ما وجه إلى العلم من اتهامات إنما هو تدخل قوى لا شأن لها بالعلم تسيئ توجيه نتائجه..
و على العكس من ذلك، فإن كل تقدم أحرزته البشرية في القرون الأخيرة إنما كان مرتبطا بطريق مباشر أو غير مباشر بالعلم.
إذا كان من المعترف به أن وجه الحياة على هذه البسيطة قد تغير، خلال الأعوام المائة الأخيرة، بأكثر مما تغير خلال ألوف الأعوام السابقة ، فإن الفضل الأكبر في ذلك إنما يرجع إلى المعرفة العلمية، ويرجع قبل ذلك إلى وجود شعوب تعترف بأهمية هذا اللون من المعرفة.
فقد أصبحت الرؤية العلمية ضرورة لا غنى عنها في أي مجتمع معاصر لا يأبى العيش في حفر التخلف..
هذه الرؤية العلمية التي تخول للأمم المتقدمة العمل " بالتخطيط " لأي توجه بطريقة علمية منظمة وكل نجاح يحرزه التخطيط في عالمنا المعاصر إنما هو نجاح للنظرة العلمية في تدبير شؤون الإنسان.
و هكذا أصبحت حياة المجتمعات الحديثة ، في سياساتها في سلمها وحربها وجدها ولهوها، منظمة تنظيما علميا..
وبأن النظرة العلمية لشؤون الحياة في ميادينها كافة هي وحدها التي تضمن للمجتمع أن يسير في طريق التقدم.
و إن كان بعض ما يعيشون معنا في هذا القرن الواحد و العشرين غير مقتنعين بجدوى العلم، و إذا كانوا لا يزالون يضعون الحواجز والمعيقات أمام التفكير العلمي الممنهج حتى يومنا هذا فليفكروا ولو للحظة في أحوال العالم في القرن القادم، الذي سيعيش فيه فلذات أكبادهم.
... وأشياء كثيرة ستفوتنا لو امتثلنا للإتجاهات المعادية للعلم، و بأن مجرد البقاء في المستقبل دون نظرة علمية سيكون أمرا مشكوكا فيه .