Souk.nadorcity.com

الحكاية الثانية: كم هو كثيف هذا الضباب الذي يغشاك يا مدينتي !!


الحكاية الثانية: كم هو كثيف هذا الضباب الذي يغشاك يا مدينتي !!
محمد بوتخريط . هولندا

غابت المرأة العجوز وغاب عكازها الخشبي وما غاب وجهها عن بالي ولا مر بوجداني مرور الكرام ..
أراها مختلفة ولا أراها مثل كل ... الآخرين .

لم أنتظر طويلاً أنا الآخر..
سمعت اسمي تنطقه موظفة الاستعلامات .. بدتْ لي وكأنها قامت بمجهود خرافي حتى تنطقه كما هو مكتوب عندها على اللائحة ،حاولتْ أن تخفى استغرابها من اسمي مبتسمة:
- "إسم جميل"..
ابتمست لها أنا الآخر قائلا :
- وما الجميل فيه سيدتي.. صعب النطق تقصدين .

دخلت غرفة الكشف ، استقبلتني الطبيبة بابتسامة عريضة.
كانت واقفة تمد لي يدها بالتحية وتدعوني باليد الأخرى للجلوس مشيرة إلى مقعدين متجاورين قرب مكتبها .
أول ما فكرت فيه لحظتها ، وقبل حتى أن أرد التحية أن أنسى تساؤل السيدة العجوز إياه:
" لماذا كل هذا الظلم وهذا الجور.وكل هذه الأحكام الجاهزة ؟ ".
فالتجارب والأحداث علمتنا أن لا نعمم الحكم على الناس كلهم فنجعلهم في سلة واحدة يتشابهون ، فلا السابقون يتشابهون ولا اللاحقون ولا الأولون ولا الآخرون .
تذكرت قول امرأة من بلادي : "عندما تقابل طبيبا جيدا تشعر وكأنك شفيت قبل أن يفحصك ."

قررت أن أغلق تفكيري ونافذة ذكرياتي؛حتى لا أحاول أن أقارن الأشياء ببعضها البعض أو أقارن الْـ"هنا"
بالْـ "هناك". و حتى لا أتذكر أشياء وحالات أخرى ، وأضطر بالتالي لخلق مقارنة غير مرغوبة لا مكانيا ولا زمانيا، فأتألم.
فتعهدت ألا أفكر أو أتذكر. حتى لا تبدو لى الأشياء مفترقة معزولة بعضها عن بعض..
حقاً أشعر بالغربة المزدوجة كلما قارنت الحالة الآنية للمكان هنا مع حالة "الأمكنة" التي هي عليها بلادي هناك.

أوشكت -فعلا- أن أتملّص من التفكير في بعض الوقائع التي تهاجمنا في مثل هذه الحالات خاصة تلك التي تحس فيها أنك تُعامل فيها كإنسان ذو كيان وكرامة .
ولكن شريط الذكريات كان أقوى مني ومن رغبتي في النسيان .استرجعت بعضا منها حين دُق باب مدينتى هناك وراء البحار فهرول قلبى ليرى من هناك .. فرآني أنا جالساً على قطعة خشب ، قيل لي آنذاك أنها " كرسي" من كراسي قاعة الإستقبال (غرفة الانتظار) .. أتصفح جريدة كانت بحوزتي .

أراني هناك في مستشفى من مستشفيات بلادي الجميلة .. بأهلها.!
لم أذهب اليها وقتها للعلاج او لزيارة طبيب . كنت جالسا أنتظر صديقا لي لنذهب معا لزيارة مريض كان نزيلا بالمستشفى إياها.
كانت غرفة الانتظار في الطابق السفلي تعج بالمرضى أو بالأحرى تعج "بالناس"..لأني لم أكن أقوى على التمييز بين المريض والزائر أوعابر سبيل.
كنت أنظر في الوجوه ، في المرضى والزائرين ، كانت ملامحهم حزينة و فريدة من نوعها ؛ وكنت أﺤﺎﻭل ﻓﻙ ﺸﻔﺭﺍﺕ ﺍﻟﻭﺠﻭﻩ ﺍﻟﻐﺭﻴﺒﺔ ﺍﻟﻐﺎﻤﻀﺔ أمامي .

فجأة ظهرت في القاعة سيدة أنيقة سرعان ما أدخلتها "الممرضة" إلى غرفة الكشف ، ثم ما لبثت أن دخلت، استفسرت من رجل مسن كان واقفا أمامي :
- هل المرضى هنا طبقات ، كيف يسمحون لها بالدخول دون أن تنتظر دورها ؟!.
لم يجد المسكين -ربما- بما يجيبني؛ فقال بسرعة :
- ربما تكون دكتورة أو موظفة هنا ، أو ربما من أقارب "أولائك الناس" !.

لم أفهم جيدا ما كان يعنيه بالضبط .. سألته ثانية :
- وماذا عن كل هؤلاء المساكين الذين ينتظرون دورهم .. كم من الوقت عليهم إذن أن ينتظروا ؟!.
ولكنه لم يكن يسمع ما أقول ، بل ولا أحدا في الداخل كان يسمع ما أقول.
صرخت في وجه ممرضة كانت تمر أمامي :
- يا سيدتي إن هؤلاء يتألمون !!
- عذراً.. سيدي- قالت- فأنا لا أستطيع إدخال كل هؤلاء البائسين دفعة واحدة..
قلت لها :
- إنهم مرضى .. يتألمون .

لم يكن يعنيها الأمر بتاتا ، إلا أن طريقة كلامي معها - ربما- أثرت فيها قليلا ، رمقتني بنظرات حادة ثم استدارت قائلة :
- ومن أنت حتى تصرخ في وجهي .؟
قلت لها :
دعكِ مني ومن أكون .. وأنا آسف إن بديت متطفلا .. ربما ليس من حقي أن أبدي ملاحظاتي لكن هؤلاء فعلا مرضى .. يتألمون. فكيف تسمحين للسيدة بالدخول الى الكشف دون أن تقف لتنتظر دورها كالباقي؟ .
وبنبرة تهديد قالت :
- أعلم أنك لست مريضا ولم تأت الى هنا للعلاج .. أنت تشبه بعض " الصحفيين " الذين يأتون هنا من حين لآخر يزعجوننا في عملنا . أنت تبدوا لي صحفيا..فالصحفي هنا دائما طويل اللسان "أُو مَا كَا يَحْشَامْشْ" !

تلعثمت .. لم أجد كلاماً للرد عليها.. تذكرت أننا في مستشفى ووجدت الصمت هو سبيلي الوحيد لتفادى حدوث إزعاج او ربما "ولادة مبكرة".
وجدت الرجل المسن إياه الذي كان لا زال واقفا في مكانه أمامي يقترب مني ويهمس لي قائلا :
- أأنت فعلا صحفي ، تجري استطلاعات ، وتحقيقات ، وتكتب انطباعاتك عنها...اُكتب إذن عن ما يجري هنا و تراه أمامك ..أكتب عن تلك الممرضة "الباطرونة" !!.
قلت له أن قصتي مبتورة .. وحائر جدا كيف أكتب .
بقي الرجل صامتاً لبعض الوقت ثم قال بصوت يكاد لا يسمع :
- الحيرة ضرورية لنعيد التفكير فى أنفسنا، استمع إلى الصوت البعيد في أعماقك ، القادم من معاناة هؤلاء. استمع جيدا ثم اكتب ما يقوله لك هذا الصوت.

وبينما أنا أستمع الى الرجل المسن أمامي وأتأمل الوجوه ، وسارحا ألقي نظرة استرجاعية على ما مر ويمر امامي .. اذ بي أسمع صوتا يشبه الصراخ يتمدد صداه في ممر المستشفى . رفعت نظري نحو الممر الى الباب الكبير للمستشفى . كان صوت امرأة تجوب الممر وتصرخ ، رجلاها تسابقانها للوصول لغرفة الكشف وصوتها كان يعلو يملئ الأرجاء، صائحة وهي تدلف من الباب الأمامي للقاعة :
- يا أهل " المستشفى" أغيثوني ...

كانت تتأبط طفلا صغيرا ملفوفا داخل غطاء ملون بالأبيض يشبه الكفن ، شاحب الوجه مغمض العينين وكأنه فاقدا للوعي. ضربات قلبٍ قوية كانت تعصف بصدر الأم المسكينة الذي غص بالشهقات ... تاهت نظرات حائرة في عينيها وهي ترفع عنها النظارة لتعانق بدموعها طفلها الصغير الذي كان يئن ويصرخ من الوجع. يعتصرها ألم لم تستطع إخفاؤه عن ناظري الجميع كما عن ناظري طفلها الصغير .

وأنا واقف متسمرا في مكاني أمام مكتب التسجيل أتابع المشهد ،لمحت عيناي الممرضة إياها وهي تمر أمامي. تذكرت نعت الرجل المسن لها ب:" الباطرونة ".. لم أسأله حينذاك عن السبب.. ولكني وأنا أتأملها ، كرهت المساحيق على وجوه النساء.

التفتت الى الوراء أتصفح صفوف التائهين .. قبل أن تضاف لها أسماء أخرى قذفها الظلم في ظلمة المصير المجهول هناك .
إقتربت من المرأة وطفلها ، مسحَت المرأة عينيها الغائرتين بيديها المرتجفتين ، نظرتُ الى وجه الطفل لأتأكد أني لم أخطئ في ما تمنيت ..
- نعم .. إنه لا زال حيا ، الحمد لله إنه يتنفس ...فقط سينظاف إسم المسكين الى قائمة التائهين هذا المساء .

أقتربت من باب المستشفى الخارجي ، وقبل أن تسحبتني مرارة المكان إلى الشارع كمن ضيع أحلامه وكل آماله عند بوابة هذا المكان ، دفعت الباب بشغف يحمل خارطة أحلامي ..فوجدتها تفتح على تضاريس مدينة أخرى تبدو مجهولة ...لا أعرفها . تملأها وجوه بريئة محملة بخطايا "الكبار" ، مرهقة بحماقتهم .. وكأن لا أرضا صلبة تقف عليها أقدامهم ، ولا سماء واسعة تحتمي بها أحلامهم ، يحملون ثقل الأيام ، وعلى وجوههم كآبة محن كل الدنيا ، ولكن ومع ذلك كله ، تراهم موسومين بالأمل والحب و..الحياة .
خرجت أرسم تفاصيل حكايتي المبتورة ، أتسول نورا أو شمسا أو حتى أملا . وأصرخ بكل الوجع الذي لبسني : آآآآه...كم هو كثيف هذا الضباب الذي يغشاك يا مدينتي.