click tracking

أزمـة الـيـسـار... إلـــــــــــى أيــــــــــــن؟


أزمـة الـيـسـار... إلـــــــــــى أيــــــــــــن؟
محمد أبغي

كثرت النقاشات خلال السنوات الأخيرة الماضية ومازالت إلى يومنا هذا وكلها تثير جدلية وحدة اليسار ومهامه في المرحلة مما كثر معه الإعداد للعديد من اللقاءات والندوات وتسطير كتابات عديدة كلها تحاول إخراج اليسار من أزمته لكن الملاحظ أنها تبقي هاته الأخيرة حبيسة تصوراتها في طرح وحدة اليسار ومهامه في مثل هذه الظروف حين تطرأ على الوضع العام تحولات كالتي نعيشها اليوم ونشاهدها عبر الإعلام والتي حدثت في جل الدول العربية والتي بعضها مازالت تعرف سيرورة ثورية في نضالها ضد الاستبداد والبؤس الاجتماعي والقمع وسرقة أحلامها والتي ما فتئة قوي اليسار أن لعبت الدور الهام في كل التحركات الشعبية المؤطرة لمطالب الجماهير المسحوقة ضد نقيضها وعدوها الطبقي ليبقي اليسار في منئ عن كل هذا بوصول القوي الأصولية للحكم في مصر، تونس، ليبيا،.....الخ ومن فتح المجال لهذا كله مما أصبح الآن يشغل بال وتفكير كل القوي اليسارية الراديكالية منها والإصلاحية في طرح مبادرة ليست بالجديدة على قوي اليسار في وحدتهم ومهامهم مما سيفرض عليهم تحديد موقعهم في معادلة الصراع القائم والذي يستدعي بالضرورة طرح إشكالية أزمة اليسار؟ وعن أي يسار نتحدث؟ الذي يجر من ورائه الويلات من التساؤلات وبالتالي للوصول إلى نقطة أساسية في النقاش هي أنه لا يمكن الحديث عن اليسار أو أزمة اليسار؟ ومهام اليسار؟ ووحدة اليسار؟ وما وصل إليه من انتكاس نظري وعلمي من دون مراجعة تاريخ اليسار خصوصا مراجعة ذات اليسار للوقوف على أخطائه ومنعطفا ته على مستوى التكتيك والإستراتيجية في بناء مواقف وخطوات اعتمادا على تحليل منهجي علمي للوضع وتقييم التحولات الطارئة وتحديد المهام المطلوبة .

ولا بد أيضا النظر إلى الموضوع من منظور تاريخي جدلي يدقق ويحصحص بشكل جلي الصيرورة التاريخية لحركة اليسار ارتباطا بالظروف الموضوعية والذاتية والتي تطبع كل تجربة تاريخية لليسار مما يضعنا أمام تحديد أزمة اليسار كمدخل أساسي للإجابة على كل الإشكالات التي تجر من ورائها العديد من التساؤلات كما قلنا سابقا ومن هذا المنطلق سوف أحدد مسالتين أساسيتين في نظري حول أزمة اليسار التي لن يختلف عليها أحد لكن الاختلاف فيها لا يفسد للود قضية وهي :

1 ــ الأزمة الــذاتية : هذا أثبت بشكل قاطع في العديد من الآراء والمواقف الخاطئة والتحاليل المنهجية والموضوعاتية لبعض اليساريين سواء الراديكالية أو الإصلاحية في تنظيرهم وتشخيصهم لطبيعة أزمة اليسار والواقع والتي لم تفضي إلا إلى تكريس المزيد من تعميقها في الشتات الذي يمر منه اليسار اليوم وحتى نضع الأصبع لا للإشارة فحسب بل للوضوح حول مكمن المرض المتشخصنة في أزمة ذات اليسار أي الافتقار للذات الثورية المؤهلة والقادرة بحكم وعيها السياسي على استحضار أزمة اليسار بوضع تحليل علمي دقيق عبر رؤية عميقة لواقع اليسار في ظل واقع المجتمع لإعطاء منهجية جدلية لوحدة اليسار ومهامه الملحة المطروحة عليه في المرحلة الراهنة في نضاله ضد الأنظمة الديكتاتورية لذا فإن قوي اليسار اليوم هي أشد عرضة لاحتمالات الانزلاق في التحليل لواقع اليسار والمرحلة الراهنة للمجتمع وتحولاته الاجتماعية مما يجعل معظم التحاليل والآراء حول أزمة اليسار وتحديد مهامه خاطئة لا تنسجم وشروط المرحلة الراهنة لا واقع اليسار ولا واقع المجتمع في نمو الصراع وتحديد موقعنا في معادلة هذا الصراع لأنه دائما ما تظل التحاليل المطروحة على مستوى الأحداث اليومية والأحداث الرسمية في رد فعل انفعالي اتجاهها دون أن تربط الأحداث الجارية بالعلاقات الطبقية لذا فإنه تتخذ شكل التحليل الصحفي وتكون وقتية لأنها لا تنظر إليها ضمن مرحلة تاريخية كما نشاهد اليوم في فشل قوي اليسار في اتخاذ موقف ثوري اتجاه صعود الحركات الإسلامية ووصولها إلى الحكم في ( مصر، تونس، ليبيا، المغرب، تركيا،...) فقد انقسم اليسار بين فريقين الأول يعتبر أن الحركة الإسلامية فاشية ويبرر بذلك تأييده للقمع الوحشي الذي تمارسه الأنظمة الحاكمة ضدها بينما يرى الفريق الأخر أن الحركة الإسلامية ذات طابع تقدمي وبالتالي يمكن التحالف الكامل معها وتذيلها والواقع أن كلا الموقفين يفتقر إلي التحليل السليم لطبيعة الحركة الإسلامية التي حشدت قطاعات كبيرة من الجماهير خلف شعاراتها هكذا فشل اليسار في بناء إستراتيجية صحيحة للتعامل مع الحركة الإسلامية مما ساعد هذه الأخيرة على الاستفادة من التخبط الذي ساد أوساطه وكسب بالتالي تأييد العديد من شرائح المجتمع الراغبة في التغيير وكل هذا سببه هو الإفقار للذات اليسارية والكوادر التي لا تري بالعين المجردة في فوضي الأحداث حسب قول المنظر اللبناني مهدي عامل " فاليدخل الفكر المناضل في صراع يستحث الخطي في طريق الضرورة الضاحكة فهو اليانع أبدا واليقظ الدائم في الحركة الثورية ينغرس ويتجذّر يستبق التجربة بعين النظرية ولا يتخاذل حين يفاجئ يتوثب على المعرفة ويعيد النظر في ترتيب عناصره ليؤمن للنظرية قدرتها على التشامل ورحاب أفق يتسع لكل جديد " كتاب نقد الفكر اليومي

2 ــ الأزمة الموضوعية : وهي نظرة تقويمية لحركة اليسار الذي يفتح أسئلة حول تجارب اليساريين بجناحيها الراديكالي والإصلاحي خاصة وأن كثير من القراءات لتجارب اليسار باتت بالفشل والإخفاقات المتتالية وكان أخرها عدم نزول قوي اليسار إلى جانب (حركة 20 فبرار) وهذا راجع إلى عدم استيعاب ووعي حركة الواقع وبالتالي فشلها في التغيير طبعا لا ننكر التجربة الرائدة تجربة إلى الإمام التي لنا فيها من الدروس والعبر التاريخية لمنظرها العظيم عبد اللطيف زروال . كذلك لا نستطيع التحدث عن اليسار دون أخذ واقع التجزئة والشتات بعين الاعتبار فعدم انجاز مسألة الوحدة في صفوف اليساريين كرّس واقع الانغلاق والتقوقع الذي أفرز بدوره قوي يسارية قطرية تطرح على نفسها برامج ومهمات على مستواها ومقاسها من موقعها وتشبثها بنظرتها حيث وجدت نفسها عاجزة عن التأثير والفعل العملي على مستوي القضايا العامة وانحصر جهدها على المستوي النظري حول إشكاليات متعددة وكانت كتابات كثيرة بهذا الصدد من قبل مفكرين وكتّب لكن على الصعيد العملي فقد تعمق واقع الأزمة والتجزئة وتبخّر حلم الوحدة مما يقف أمام انجاز أي مهمة مطروحة في تنامي الأحداث ووضع تحليل علمي في إطار تاريخي لها ولعب الدور فيها .

وتبقي أسئلة أخري كثيرة لم تطرح حول إشكاليات اليسار أو أزمة اليسار لكن هذه كانت محاولة للإحاطة حول واقع اليسار اليوم وما يعيشه في ظل تنامي الحركات الاحتجاجية ضد الأنظمة المتهرئة ووصول الحركات الأصولية للحكم رغم دور اليسار الهام في تحريك وتجذير الوعي الطبقي في صفوف الجماهير الشعبية رغم ما يعيشه اليسار الذي يعصف بكل محاولاته من أجل التغيير عبر مشروعه المجتمعي مما يفرض على اليسار اليوم في التفكير العملي في التعاطي مع نفسه أولا والخروج من قمقمه السليماني من اجل تصحيح حركته للتفعيل في حركة الواقع .