click tracking

أزمات التنمية السياسية


أزمات التنمية السياسية
ذ. نجيم مزيان

باحث في الدراسات الدستورية والسياسية

تعترض التنمية السياسية في مجتمع ما،ازمات متعددة قسمها دارسوا العلوم السياسية الى ست أزمات تكون حلقات متداخلة ومتشابكة تؤدي كل منها الى الأخرى وبتواجد معظم هذه الأزمات في أغلب دول العالم الثالث،إذ تشكل مجتمعة أبرز سمات التخلف في هذه الدول وتتمثل هذه الأزمات في: الهوية،الشرعية،المشاركة،التغلغل،التوزيع والاستقرار السياسي.

أزمة الهوية

تحدث أزمة الهوية عندما يصعب انصهار كافة أفراد المجتمع في بوثقة واحدة،تتجاوز انتماءاتها التقليدية أو الضيقة.فكثير من المهتمين بالعلوم السياسية يربطون مسألة الهوية الشخصية بمدى العلاقة بالوطن مع ملاحظة أنه في كثير من الدول الجديدة تتراوح الهوية من القبيلة الى الجماعات اللغوية والعرقية التي تتنافس في الولاء مع الشخصية الوطنية الكبيرة.فالمجتمعات الحديثة تقوم على أساس فكرة المواطنة،إذ أن الولاء للوطن يجب ان يتعدى كل الروابط الأخرى كالولاء للعشيرة أو الجماعة...إلخ.

هناك ثلاثة أسباب رئيسية لازمة الهوية :التباين العرقي،التخلف الاقتصادي والحضاري والتفاوت الطبقي.

- التباين العرقي :خلقت الحدود المصطنعة بعد الاستعمار في كثير من دول العالم الثالث نوعا من تعدد العرقيات وبالتالي تعدد الولاءات،حيث تغيب مسألة الولاء للوطن،كما أن الحروب والصراعات القبلية والطائفية والعرقية أدت الى حدوث تمزق في مسألة الولاء إضافة الى غياب الاستقرار السياسي والانقلابات المتكررة كلها عوامل أثرت على الهوية الوطنية.

- التخلف الاقتصادي والحضاري: التباين الواضح بين الدول المتقدمة والدول النامية، اقتصاديا، اجتماعيا وثقافيا... أثر كثيرا على مفهوم الهوية،حيث يلاحظ انعدام الثقة في مقومات الهوية الوطنية لدى دول العالم الثالث،فأصبح التقليد هو السمة البارزة في الرموز والأفكار والمظاهر مما أثر سابا على الهوية الوطنية.

كما أن التكنولوجيا المتقدمة والمتمثلة في وسائل الاتصال الحديثة اضافة الى مسألة العولمة كما لها الاثر السلبي على الهوية.

التفاوت الطبقي: الانقسام الطبقي الحاد بين فئات المجتمع الواحد، اقتصاديا، اجتماعيا وثقافيا...ولد نوعا من تضارب المصالح بين الطبقات الاجتماعية وأصبحت مشاعر السخط هي السائدة لدى الاغلبية ضد الاقلية،كما أن الفئات المحرومة والتي تشكل الغالبية تنظر الى السلطة الحاكمة على أنها مجرد أداة لحفظ امتيازات الأثرياء مما كان له انعكاس سلبي على الهوية ،اضافة الى تداعيات العولمة والخوصصة والتي زادت من حدة هذه الأزمة.

أزمة الشرعية

تتعلق هذه الازمة بعدم قابلية المواطنين لنظام سياسي معين،على اعتبار أنه غير شرعي ولها ارتباط أيضا بطبيعة السلطة ومسؤوليات الحكومة،بحيث تثار العلاقة بين السلطة المركزية والسلطة المحلية،ومدى دور الجهاز الحاكم ودور الجيش في الحياة السياسية،وطبيعة الاهداف المرسومة ومدى تحقيقها.

عندما لا تحترم الدساتير،أو نكون أمام دساتير غير ديمقراطي،وإذا لم يوجد فصل حقيقي للسلطات،اضافة الى غياب التداول السلمي على السلطة،حيث يكون انتقال السلطة بموت الحاكم أو بانقلاب عسكري أو بتوريث سياسي،كما أن قمع الأصوات المعارضة بالقوة تارة وبالقانون تارة أخرى،وتنظيم استفتاءات شكلية وانتخابات مزورة وغير نزيهة،كلها عوامل تؤدي الى ظهور أزمة الشرعية.وهناك أمثلة معاصرة عديدة في هذا الشأن،نذكر مثلا ما يجري في بعض دول العالم الثالث،وخاصة في افريقيا حيث تكثر الانقلابات والانتخابات المزورة،ولعل الانتخابات التشريعية في مصر من أبرز الامثلة على ذلك.

أزمة المشاركة

تتجلى هذه الأزمة في عدم تمكين المواطنين من المشاركة في الحياة السياسية العامة لبلادهم،لأن المشاركة السياسية تعد أهم مقومات التنمية السياسية ، فتغييب المواطنين عن تسيير الشؤون العامة للبلاد يؤدي الى عزوف سياسي يشمل مقاطعة الانتخابات،وعدم الاهتمام بالمسائل العامة وعدم الانخراط في الاحزاب السياسية بحيث يكون المواطن في عزلة سياسية ولا يعبر عن رأيه بحرية ،وبالتالي فهو بعيد عن تقلد المناصب الرسمية في البلاد،مما يعرقل أي محاولة للتنمية السياسية.

اضافة الى وضع العراقيل بشتى انواعها امام الراغبين في المشاركة السياسية،وتركيز السلطة في يد قلة معينة،بحيث يغيب أي دور للأحزاب السياسية،بل أحيانا يتم تجريم قيام الاحزاب بتبني نظام الحزب الواحد أو بأخذ بنظام التعددية الحزبية لكنها في الواقع مزيفة،وتزوير الانتخابات لصالح فئة معينة وقمع الحريات العامة،والتنكيل بالمعارضين وعدم احترام الدستور والقوانين،كلها عوامل تؤدي الى ابتعاد الجماهير عن ممارسة السياسة وتفشي القيم السلبية والاغتراب واللامبالاة وبالتالي نكون أمام أزمة مشاركة سياسية.

أزمة التغلغل

هي عدم قدرة الحكومة على التغلغل والنفاذ الى كافة انحاء اقليم الدولة،وفرض سيطرتها عليه بحيث يصعب الوصول الى المجتمع،مما يعرقل تنفيذ السياسات المرسومة،فتنفيذ الحكومة لسياسات ذات مغزى يتوقف على قدرتها على الوصول الى مستوى القرية ولمس الحياة اليومية للسكان.

فالتغلغل هو التواجد الفعال للحكومة المركزية على سائر ارجاء الاقليم وهو الوصول الى كافة الفئات والطبقات الاجتماعية المشكلة لمجتمعها.بمعنى اعمال القوانين والسياسات داخل الاقليم،والقدرة على استخدام أدوات العنف عند الضرورة.وهذه القوانين والسياسات قد تتعلق بالضرائب ،تجنيد،تحقيق الانضباط،الاسكان،التعليم،الفلاحة والاقتصاد بصفة عامة...إلخ.

فالقدرة على التغلغل تؤدي الى استقرار الدولة وبالتالي تحقيق التنمية السياسية المرجوة.

يمكن القول ان ازمة التغلغل لها اسباب متعددة نشير فيما يلي الى أبرزها

- اسباب جغرافية : حيث اتساع الاقليم و شساعته و تضاريسه الوعرة ,يؤثر على تغلغل الدولة في بعض المناطق ,كما هو الشأن في الهند و القلبيين على سبيل المثال.

- اسباب عرقية: فتعدد الاعراق و الطوائف و الاثنيات يكرس ازمة التغلغل لدى بعض الدول , كما يوجد على سبيل المثال في العراق,نيجريا,الهند,اسبانيا, وروسيا...

والملاحظ ان أزمة التغلغل لها علاقة وطيدة بأزمتي الهوية والشرعية ففي حالة عدم القدرة على التغلغل في ارجاء الاقليم ،تكون السلطة السياسية فاقدة للشرعية في هذه المناطق كما أن مواطنيها يفتقدون للمواطنة حيث تغيب لديهم مسألة الولاء للوطن مما يولد أزمة هوية.

أزمة التوزيع

تتعلق ازمة التوزيع اساسا بمهمة النظام السياسي في توزيع الموارد والمنافع المادية وغير المدادية على مختلف مكونات المجتمع.وهذه المنافع تشمل الثروة ،الدخل ،الامن ،التعليم،الثقافة،الخدمات الصحية ،التشغيل ...

فهذه الازمة ترتبط بمدى نفوذ السلطات الحكومية في توزيع السلع والخدمات ومدى وجود نمط من القيم في المجتمع،فأحيانا كثيرة تلجأ الحكومة لمواجهة هذا المشكل بالتدخل المباشر في توزيع الثروة وتقوية فرص وإمكانيات الجماعات الضعيفة.

يتضح جليا أن الصراع الطبقي بين الفقراء والأثرياء للتخلص من الحرمان،وكذا أبعاد الحرمان الاقتصادي المتجلية في ندرة الموارد والتوزيع غير العادل لها،والصراع السياسي الناجم عن العامل الاقتصادي،من أهم العوامل المسببة لازمة التوزيع ،اضافة الى اسباب أخرى ذات طبيعة سياسية،نذكر منها الفساد السياسي،واستغلال السلطة لتحقيق أغراض ذاتية،والتعامل مع الممتلكات العامة وكأنها ممتلكات شخصية،وهذا يظهر جليا في كثير من دول العالم الثالث،حيث مؤشرات الشفافية منخفضة جدا لديها .

أزمة الاستقرار السياسي

يمكن تقسيم هذا الفرع الى عنصرين:

- أزمة استقرار الدولة ذاتها: تعد الدولة أحدث صور المجتمع السياسي المتحضر،حيث يوجد تجانس قومي وسلطة منظمة دستوريا وقانونيا،ينتج عنه استقرار للدولة،وعلى العكس من ذلك يتزعزع كيان الدولة واستقرارها حين ينعدم هذا التجانس نتيجة التجميع الاجباري للأفراد.

وهذا الامر تعاني منه عدة دول في العالم المعاصر.فهناك دول متعددة العرقيات كما هو الشأن في العراق ،روسيا،الهند وبعض البلدان الافريقية حيث ينعدم فيها المساواة بين الجماعات العرقية مما يؤدي الى تفشي الاضطهاد والتمييز العنصري،وبالتالي تزداد مشاعر الغضب مما قد ينتج عنه مطالب انفصالية ورغبة في الاستقلال عن الوطن الام ويتفشى العنف والعنف المضاد والإرهاب وتكثر الحروب الاهلية،الامر الذي يهدد كيان الدولة ويصبح استقرارها على المحك.

كل هذه العوامل وأخرى خارجية،تؤثر سلبا على استقرار الدولة وبالتالي على التنمية السياسية المنتظرة.

- أزمة استقرار النظام السياسي: تنشأ هذه الازمة حين يضعف النظام الحاكم بضعف المؤسسات الدستورية في الدولة أو بتهميش ادوارها،فشرعية النظام السياسي والأجهزة الحاكمة تكون مفقودة نتيجة وصولها الى السلطة بانتخابات غير نزيهة أو عن طريق القمع والعنف أو الانقلابات وفي بعض الاحيان يتدخل العسكر في تسيير الشؤون السياسية للدولة.

ويفرض سلطته وهيبته على ارجاءها،مما يزعزع استقرار النظام السياسي للدولة،وهناك أمثلة عديدة في دول العالم الثالث على الخصوص،كما هو الشأن في افريقيا،حيث كثرة الانقلابات والصراع على السلطة الرئاسية .اضافة الى ذلك هناك عامل آخر مرتبط بعدم وضوح الايديولوجيات التي يقوم عليها النظام السياسي.وهناك عوامل خارجية أخرى تؤدي الى عدم استقرار النظام السياسي كالتدخل الخارجي للدول الكبرى في شؤون بعض الدول النامية مثلا ،أو فرض برامج تنموية معينة على الحكومات نتيجة الديون المستحقة للمؤسسات البنكية الدولية مثلا لبعض الدول الصناعية الكبرى،مما يؤثر ايضا على الهوية،وهذا يقودنا الى القول أن هناك علاقة وثيقة بين أزمة الاستقرار السياسي وأزمة الهوية.

من خلال ما سبق تتضح التحديات الكبرى التي تواجه المجتمعات لتحقيق التنمية السياسية الشاملة ،والتي لا تتأتى إلا بتجاوز هذه الازمات من خلال قيام مجتمع واضح الهوية منسجم داخليا،مشاركته السياسية فعالة،يستطيع جهازه الحكومي القائم على الشرعية التغلغل في اعماقه ،وتحقيق التوزيع العادل للمنافع والحفاظ على الاستقرار السياسي.